الدرس الأول – إفتتاح تقديم الكتاب

http://zaouiatijania.ovh/tabsira/tabsira1.mp3

الـبـيـان

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحـمن الرّحيم، اليوم 27 محرّم 1432 هـ، وهو ابتداء والشروع في سرد هذا الكتاب الجليل، المؤلَّف بالرّوح وبسرّ الرّوح وهو المسمّى بتبصرة الأرواح، وهو الذي سنبدأ في الشروع فيه الآن، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يُـيسّر لنا مسالكه ويفهّمنا معانيه ويُعينَنا عليه حتّى نؤدِّيَه بما قصده مؤلِّفَهُ، لأنّ لا إعانة لنا ولا فَهْم إلاّ بالله وببركة هذا العالم الجليل الذي نحن نَدْرُسُ ونسرُد كتُبَه ومؤلّفاتِهِ، وإن كان الأمر جلل وعظيم ولكن لابدّ لنا أن نقتحم وأن نفتح أفواهنا ليتيسّر لنا أمرنا لأنّ باب العلم هو بابٌ يحتاج دائما إلى الاقتحام وإلى السلوك الحسن وإلى الاستعانة بالله تبارك وتعالى حتّى نرى الحقّ حقّا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه.

قال المؤلف رحمه الله،

أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلِّف رحمه الله،

الـسّـارد

أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما، قال شيخنا سيّدنا ومولانا الحاج الأحسن بن محمّد ابن أبي جماعة البعقيلي رضي الله عنه في كتابه تبـصرة الأرواح والأسـرار إلى العـكوف عـلى دوام مـشاهـدة نـور الأنـوار تأليف خاتمة المحققين وقدوة أهل الرّسوخ واليقين سيّدنا وسندنا المولى شيخنا سيدنا الحاج الأحسن بن محمّد ابن أبى جماعة البعقيلي السوسي أصله البيضاوى وطنا متّع الله بحياته المسلمين والإسلام آمين.

الـبـيـان

إذاً هذا الكتاب العنوان سمّاه تبصرة الأرواح والأسرار إلى العكوف على دوام مشاهدة نور الأنوار، هذه الجمل ليست موضوعة هكذا، لكن وُضِعت لشيءٍ لابدّ من حصوله ولابدّ له من أن يقرّ في صدورنا، فبدأَ بتبصرة الأرواح، التبصرة هي جاءت من بصّر، وبصّره بالشيء أي بيّن له ما يَكتنِفُه وما فيه صلاح فيه من خير ليعمل به ونواهي لأن يبتعد عنه، بصّره بالأمر بمعنى صيّرَهُ أن يعِيَ ما يَقدِم عليه في أمره، إذًا بصّر تبصرة، والتبصرة هذا مصدر، مصدر بصّر، وتبصرة الأرواح أي إراءة ما تتغذّى به الأرواح، وقد سبق لنا أن قلنا بأنّ الإنسان من حيث هو، هو مركّب من روح وجسد، وأنّ الرّوح تبحث عن لوازمها والجسد يبحث عن لوازمه. فالرّوح تبحث دائمًا عن المعارف والعلوم والمعاني والجسد يبحث عن ما يقوّيه من قوت وغيره وشهوات، فهنا الرّوح والجسد وهما مشترِكان.
الحياة في الجسم هي روحه بها يتحرّك وبها يسكُن، والرّوح قبل إلتصاقها بالجسد وعلوقها بالجسد كانت صافيةً منوّرةً كاملةً عابدةً واقفةً في محراب القُدس تعبد الله تبارك وتعالى بما ألهمها بأن تعبده، والجسد وحده كان في عدم فلما وُجِد الجسد وعلِقت به الرّوح صار الاثنان متلازمان، إذا فُقد أحدهم نفقد الآخر، والرّوح لمّا تتصل بالجسد ونظرا لمرحلة الطفولة التي يمرّ فيها الإنسان قبل التكليف وقبل البلوغ تكون الرّوح إذاً استأنست بالجسد بلوازمه وبلهوه وبشهواته وباستكانته وبحبّه للخمول، فلمّا يبلغ وتأتي مرحلة التكليف التي هي أمرٌ ومجاهدة لعبادة الله تكون الرّوح أخذت قسطا كبيرا من لوازم الجسد فيصير الجسد حاكماً على الرّوح بدل أن تكون الرّوح هي الحاكمة وكيفيّة المخرج وإعادة الرّوح إلى ما كانت عليه من صفاء وعبادة محضة لابدّ من أن تكون هناك تبصرة، تبصرة للإنسان لأجل أن تنجليَ عن الرّوح تلك الغَشاوة التي غطّتها بملازمتها للجسد وهنا إخواننا يُقسِّمون النفس إلى مراتب : النفس تكون أمّارة بالسوء ثمّ النفس اللّوامة ثمّ الملامة ثمّ المطمئنّة ثمّ الراضية ثمّ المرضية ثمّ الكاملة فسبعة مراتب، وهذه المراتب لأجل أن يبلغها الإنسان لابدّ له من تربية التي تُأَهِّلُ جسدَه لأن يتبَع الرّوح وتصير الرّوح حاكمة له توجهه هي لا أن يوجهها الجسد فكان لابدّ من تبصرة الروح التي هي نور محض من تبصرتها أي تبصرة الإنسان الذي هو بين الرّوح والجسد، تبصرته بما ينبغي ويجب عليه أن يعمَله وأن يجتهد من أجله وأن يقتحم الصّعاب في حقّه ولذلك كان هذا الشيء مُرًّا على النّفس فلا تستطيع النّفس أن تترُكه إلاّ بمجاهدةٍ وتربيةٍ وعلمٍ ومعرفةٍ وإلهامٍ من الله تبارك وتعالى، لذلك قال هنا تبصرة الأرواح أي يُبصّر، بدل تبصرة العقل يبصّر الرّوح الباطنيّة لتصير حَكَمًا وحاكمًا توجّه البدن وتوجه الإنسان إلى ما يفعله وما يعمله تِجاه ربّه لذلك كان الرّوح، الأرواح باطنيّة والجسم ظاهريّ والظاهر إذا مسّته نفحة من الباطن تنوّر أيضًا وصار معمولا ومفعولا للرّوح فتترقّى النّفس عن الإنسانية والبشرية إلى درجات ومراتب وحضارات لتصل إلى ما يُراد بها وهو القرب من الله تبارك وتعالى، لذلك قال تبصرة الأرواح والأسرار لأنّ الرّوح حيوانيّة، وهذا نعلمه كلّنا، وهي مشتركة ما بين جميع الحيوانات المخلوقة سواءًا النّاطقة أو غير النّاطقة، وهناك روح أخرى وهي روحٌ سرّ تَعْلَقُ بها الرّوح فإذا تنوّرت هذه الرّوح يتنور بذلك السّر، تتنور الرّوح والسرّ، ذلك السرّ هو سرّ مكنونا يجذب النّفس إلى مرادات ربّها لذلك تبصرة الأرواح والأسرار والعكوف على دوام مشاهدة نور الأنوار، العكوف لأنّ إذا لم تصفى الأرواح وإذا ولم تصير كما كانت عابدة لربّها لا يستطيع الإنسان مهما كان أن يتوجه ويُحسن الوجهة إلى الله تبارك وتعالى بخلوص العبودية والعبودة له وحده دون غيره وهذا هو العكوف على مشاهدة الله، والذّكر مما تطمئن به النّفس وتصفوا به من الكدُرات وتُشَاهد بالذكر حضرات الحضرات القدسيّة وتَنال بها الأسرار الرّبانية ويفاض على صاحبها من النَّفَسِ الرّحمٰني ما يرقّيها وتسعد به في الدّارين في الدّنيا وفي الآخرة، لذلك كان هنا عنوان الكتاب هو موضوع الكتاب، وهو تبصرة الأرواح والأسرار للوقوف أو للعكوف على مشاهدة نور الأنوار لأنّه إذا لم تصفى الرّوح وإذا لم تصفو فلا يمكن للإنسان أن يكون له هذا السرّ الرّباني العظيم الذي هو مشاهدة الأنوار،

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّد الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيم وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيم
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

مجلس يوم الأحد 27 محرّم 1432 هـ

زاوية عين الشق – الدّار البيضاء  – المغرب

بسم الله، الحمد لله والصلاة على رسول الله

http://zaouiatijania.ovh/tabsira/tabsira2.mp3

السارد : الحاج عبد الله

البيان : سيّدي الحاج محمد الكبير أبو عقيل إبن مؤلف الشرب الصافي الحاج الأحسن البعقيلي رضي الله عنه

الـسّـارد

قال رضي الله عنه،

الحمد لله الذي أوجد مُلكه مع استغنائه عنه خلق جِرْمَهُ وَعَرَضَه وداعيته وعمله من غير شريك ولا غرض فيه بل هو مُستغنٍ عنه والصّلاة والسّلام

الـبـيـان

هنا، كلّ هذه المقدّمات هذه الدّيباجة الأولى وهذه الفقرات من الدّيباجة تأخذ الإنسان لتجعله واقفا بين يدي ربّه، لأن العبودية أو العبودة أو العبادة كلّها في صفاء العقيدة، إذا كانت العقيدة صافية يكون كلّ شيء مع الصفاء لذلك قال الحمد لله

الـسّـارد

الحمد لله الذي أوجد ملكه

الـبـيـان

الحمد لله، الحَمْدُ هو الثّناء بالجميل في اللّغة، هو الثناء في العُرف هو الثناء بالجميل لا في مقابلتنا سواءٌ كان في مقابلتنا أو في غير مقابلتنا، فنحن نقول الحمد لله الثناء وتمام الحمد وكماله هو لله لا لغيره، فسواء ذكرنا نعمة أو لم نذكرها كان في مواجهة نعمة أو كان في مواجهة نقمة لأن الحمد والثناء على ذي الجميل يلزم منه ما هو في اللّغة وهو الثناء والحمد على من أسدى إليك معروفا، ولكن في العرف أو في الشّرع هو ثناء بالجميل في مقابلة نعمة أو في غير مقابلتها ولذلك نقول الحمد لله على كلّ حال سواء كنّا في نعمة أو في شدّةٍ نحمد الله، بخلاف اللّغوي لا نحمد إلاّ في مقابلة نعمة ولا يكون إلاّ باللّسان نحمده إلاّ باللّسان ] الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [ [1] بخلاف الشّكر فالشّكر يكون باللسان وبالجَناَن[2] وبالجوارح كلّها، كلّ طاعة لله هي شُكر ولا يكون الشّكر إلاّ على النعمة بخلاف الحمد، إذاً قال،

الـسّـارد

الحمد لله الذي أوجد مُلكه مع استغنائه عنه

الـبـيـان

الحمد لله الذي أوجد ملكه مع استغنائه عنه، أوجد هذا الملك ولكن غير مفتقر إليه فهو مستغنٍ عنه استغناءً مطلقاً ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ [3]، إذاً أوجده فضلا وهو مُستغن عن كل مخلوقٍ مخلوق وكلّ كَوْنٍ كَوْنٍ الله في غنى عنه إنّما كما جاء في الحديث القدسي « كنت كنزاً فأحببت أن أعرف فخلقت خلقي فبي يعرفوني » [4]، فلأجل هذه المحبة خلق الله تبارك وتعالى هذه الأكوان ليُعرف مع استغناءه عن كلّ حادث كلّ موجود موجود حادث اللّه مستغن عنه، قال

الـسّـارد

خلق جرمه[5] وعرضه[6] وداعيته[7] وعمله من غير شريك ولا غرض فيه بل هو مستغن عنه والصّلاة والسّلام الأتمّان على سيّد الكائنات دائمين متّصلين بدوام الأبد تُنصر بهما أمّته نصر غيور على الحرمات

الـبـيـان

الصّلاة والسّلام، الحمد ثمّ الصّلاة والسّلام، فذِكرُ الصّلاة والسّلام مع ذِكرِ الحمد هي من آكد الآكد في جميع التآلف والرّسائل، وكلّما صلّى العبد كتابةً وذَكرَ كتابةً تبقى تلك الصّلاة مكتوبة ومحسوبة لصاحبها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، الصلاة والسلام على سيّد الكائنات، كلّ ما هو من الحوادث، أي الذين أحدثهم الله بقدرته وأنجزه بقدرته تعالى على حسب إرادته وعلمه، كلّ ما أنجزه الله سواءً كان برًّا أو بحرًا أو سماءًا أو نجومًا أو ملكوتًا أو جبروتًا أو عرشًا أو قلمًا كل هذا يعدّ من الكائنات الموجودة بقدرة الله تبارك وتعالى وكلّ ذلك حادث، نعم

الـسّـارد

دائمين متّصلين بدوام الأبد

الـبـيـان

دائمين مستمرّين متّصلين بدوام الأبد، والأبد منذ تعلّقت قدرة الله تبارك وتعالى بإيجاد المخلوقات إلى قاف القيامة كلّ ذلك يسمّى بالأبد، وقبل تعلّق القدرة يسمّى بالأزل، هذا أزلاً ونقول أزلاً وأبدًا أي أزلاً في علم الله وأبدًا بعد تعلّق القدرة بإيجاد الكائنات، وأوّل تعيُّنٍ تعيّن في علم الله وأوجَد بقدرة الله هو نور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومنه برزت جميع الكائنات أي من الحقيقة المحمدية برزت جميع الكائنات ممّا تكلّم جرماً أو عرضًا أو داعية، كلّ داخل في النّفس وعمله من غير شريك ولا غرض في وجودنا ليس له غرض في وجودنا لا ننفعه ولو اجتمعت ما في السّموات على أن ينفعوه بشيء ما نفعوه لأنّ الله مستغن عن كلّ شيء مستغن عن مخلوقاته جميعًا وإنّما أحبّ أن يعرف فخلق خلقه، نعم،

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّد الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيم وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيم

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ


[1]  سورة فاطر الآية 1

[2]  الجَنان : القلب (الجَنَانُ من كل شيء : جَوْفُهُ)

[3]  سورة فاطر الآية 12

[4]  « كنت كنزا لا أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقا، فعرفتهم بي فعرفوني » وفي لفظ « فتعرفت إليهم فبي عرفوني » ، أنكره البعض وقالوا لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف. وقال العجلوني في ” كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس” لكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * أي ليعرفوني كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما. وذكرهُ محي الدين بن عربي في الفتوحات المكية، والألوسي والرازي في التفاسير.

[5]  الجِرْمُ : جسم كُلِّ شيء

[6]  عَرْضُ الشَّيْءِ : سَعَتُهُ

[7]  الدَّاعِيَةُ : السبب

بسم الله، الحمد لله والصلاة على رسول الله

http://zaouiatijania.ovh/tabsira/Tabssira3.mp3

الـسّـارد

أمّا بعد فإنّي على عادتي أردتُ أن أُنقِّح مقاصد الرّب تعالى في خَلقِه وهو أنّه خَلَقَناَ فضلا لنعرفه ولنتمتّع بنعمه من غير مناسبة بيننا وبينه إلاّ مناسبة الإفضال فالعبد فضلٌ وداعيته فضلٌ وعمله الحسن فضلٌ وعرضه فضلٌ وسيّئاته جنايةٌ

الـبـيـان

سيئاته جناية عليه، كلّه فضل من الله إلاّ أنّه لمّا جاء للجناية قال سيئاته جناية أي نسبها له تأدّبا مع الله تبارك وتعالى، نعم

الـسّـارد

فالعبد فيما جنى إن لم يعف سيِّدُه فمن عصى مرّة واحدة فهو في مشيئة ربّه تعالى فلا يحكم عليه بشيء إلاّ أنّه مستَنَدٌ إلى مشيئة ربّه تعالى فإلى المشيئة يستند كلّ شيء ولا تَستَنِدُ هي إلى شيء فلا يحلّ للعبد أن يغفل ولا أن يفتُر عن مراقبة ربّه في أيّ عمل كان فهو محرّكه ومسكّنه الممسك بلجامه وقواه فوجود الله هو السّاري سراية شرعيّة مخلوقيّة بالاختيار في كلّ متميّز في علم الله المُسمّى بالوجود والشَّيءُ وهو ما تقرّر وتميّز في علم الله وجودا وعدما

الـبـيـان

الشيءُ، على كلٍّ لمّا ذَكَرَ كلمة الشيء، الشيءُ مذكور في القرآن، الشيءُ هو ما تقرّر في علم الله وجودًا أو عدمًا، كان موجودا نقول شيء أو عدما نقول شيء لذلك جاء في آية الكرسي ] اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [ [1]، وعِلمُ الله تبارك وتعالى قديم ولا يُحاط به وسوى الله تبارك وتعالى شيءٍ من علمه، إذاً الشيء هو شيء متقرر في علم الله كان وجودا أو كان عدما فنقول لهذا شيء ونقول لمكانه شيء، نقول له شيء فإذا غلب نقول شيء، الشيء هذا هو ] وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [، نعم

الـسّـارد

وهو ما تقرّر وتميّز في علم الله وجودا وعدما ممّا يمكن وجوده وعليه فالفاعل فقط هو الله وغيره مفعوله فلا يحلّ للعبد العاقل أن يركَن إلى الذين خلقهم الله من عدم وإنّما يركَن إلى الوجود الحقّ

الـبـيـان

] وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [ [2]، لا يركَنُ سابقا به إلاّ لله، فيكون للعبد ليس من التّوكل إنّما العباد يحتاجون إلى بعضهم البعض فلابدّ من هذا الاحتياج لكن الرّكون إلى هذا الاحتياج من العبد هو إساءة لما أراده الله منّا من أن نتوكّل عليه وأن نعتصم به وأن نسعى إليه وأن نسأله وأن ندعوه، نعم

الـسّـارد

إنّما يركن إلى الوجود الحقّ القائِمِ بنفسه القيّومِ بغيره فلا يحِلّ للمفعول أن يشاهد إلاّ فاعِلَه والفاعل في غيره فيشاهد في الملك فاعله قبل وجوده ومعه وبعده

الـبـيـان

ومعه وبعده وقبل وجوده، فالمَفاَعِلُ هي مظاهر ورُتب الأسماء الإلهية فنشاهد ربّنا، نشاهد الله من خلال مخلوقاته، أمّا الإحاطة أو مشاهدة كُنهَ الحقّ أو كنه الأسماء أو الصّفات فهذا محال ومستحيل أن يُحاط به لكن معرفتُنا بالله تبارك وتعالى هي بمرتبته الألوهية التي تفرّعت عنها جميع الأسماء الإلهية من أمّهات وعساكر وتشتيت، فكلّ الأسماء الإلهية هي متفرّعة من إسم الله، الله هو المُوجد وهو المُعدم وهو القائم بشؤون عباده وهو المرعي عند الخاصّة والعامّة وأنّه المُسعد عن ما سواه وأنّه هو الذي يُميت وهو الذي يُحي وهو الرّازق وهو القابض وهو الباسط، وغيرُه إنّما هي مراتب لأجل أن نعرف الله تبارك وتعالى من خلال أسمائه المتجلّية في مخلوقاته، ولذلك جاء في قول الله تبارك وتعالى ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [ [3]، لماذا يتفكّرون في خلق السّماوات والأرض ؟ لأجل أن يقولوا بلسانهم ] رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ [، إذاً الذي أَوْصَلَ هؤلاء المتفكّرين إلى هذه الكلمة هو أنّهم شاهدوا الحقّ من خلال مفاعيله ومفعولا ته ومخلوقاته، هنا نعرف ربّنا بمرتبته الألوهية ونعرف أنّ لله أسماءًا وأنّ لله صفة ذاتيَّةً وأسماءًا ذاتيَّةً، ولكن كلّ ذلك من خلال تجلّيات أسماءه وصفاته في الممكنات وفي الحوادث التي وُجدت بقدرة الله تبارك وتعالى، نعم

الـسّـارد

فيشاهد ما سوى الله كحجر ثلج أوّله هو الله وءاخره هو الله وباطنه وظاهره هو الله فالمشاهَد في الثلج هو الماء أوّلا وآخرا وظاهرا وباطنا فإن جمد تيمّم عليه وهو المراقبة وإن ذاب في نظره توضّأ به

الـبـيـان

فإن ذاب في نظره توضّأ به، إذاً هنا الكائن كلّه كحجر جليد أو ثلج، وسطُهما وظاهرُهما وباطنُهما، فبمعنى هذا أن ذلك الثلج الذي صار حجرا أنّه سيذوب كذلك ما عدى الله كلّه فاني ويفنى ] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [ [4]، فإذا ذاب الثلج استفاد منه الإنسان، نعم[5]

الـسّـارد

فإن تحيّر ضلّ

الـبـيـان

فإن جمد تـيمّـم، ذكر لنا هذه الكلمة بمعناها الفقهي قصد بها المذهب الذّي يقول بأنّ يجوز التيمّـم  بكلّ ما صعد على الأرض وهو مذهب الحنفيّة، كلّ ما صعد على الأرض من تراب أو شجرٍ أو ثلج أو حجرٍ كلّه يمكن التيمّـم عليه، لذلك قال هنا فإن جمد تيمّـم عليه، بخلاف المالكية الذي يقول بأنه لا يُتيمَّـمُ إلاّ على التراب أو الحجر ولا على التّراب المخلوط أو المصنوع أو الجليز مثلاً أو الحائط المسبوغ لا يتيمّم عليه، لا يتيمّم إلاّ على الصعيد الطيّب، والصعيد يعني هو التراب الذي على وجه الأرض، أمّا كلّ ما صعِدَ على الأرض كالحنفيّة فيمكن للإنسان أن يتيمّم به، يمكن أن يتيمّم بالثلج أو بالشجر أو بالحجر أو بكلّ شيءٍ يمكن أن يتيمّـم به، نعم

الـسّـارد

فإن جمد تيمّم عليه وهو المراقبة

الـبـيـان

فإن جمد تيمّم عليه وهو المراقبة، لأنّه راقبه فقط في جموده، راقبه مراقبة أن تراقب ربّك في هذه الوضعيّة، أن تكون مراقب لله في هذه الوضعيّة على سبيل الإجمال، نعم

الـسّـارد

وإن ذاب في نظره توضّأ به

الـبـيـان

صار ماءًا يصلح للتوضؤ، نعم

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّد الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيم وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيم

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ


[1]  سورة البقرة الآية 255

[2]  سورة هود الآية 113

[3]  سورة آل عمران الآية 190 و 191

[4]  سورة الرحمن الآية 27

[5]  إذا ذاب الكون في نظره ولم يعد يرى إلاّ الله في مخلوقاته وموجوداته فإنّه المشاهدة والمعاينة أقوى منها، فلا يرى إلاّ الله فاعلا … موجودا …

بسم الله، الحمد لله والصلاة على رسول الله

http://zaouiatijania.ovh/tabsira/Tabssira4.mp3

السارد : الحاج عبد الله

البيان : سيّدي الحاج محمد الكبير أبو عقيل إبن مؤلف الشرب الصافي الحاج الأحسن البعقيلي رضي الله عنهم

الـسّـارد

فإن تحيّر ضلّ

الـبـيـان

فإن تحيّر في هذا الأمر، أي تحيّر في ملكوت الله ولم يوصله عقله إلى الوجود المطلق الذي هو الله فهو قد تحيّر، ضالاًّ متحيّرَا لا يصلُ إلى الحقيقة إلاّ إذا اعتقد أنّ كلّ الكائنات هي مصنوعة من صانعٍ ومبدوعة من بديع السماوات والأرض، أمّا إذا شكّك أو توهّم أو ظنّ يبقى في ظلاله، لأنّه هنا محلّ الإيمان هو الاعتقاد بخلاف أمور أخرى تعتمد دائماً على غَلَبَةِ الظنّ، أمّا في الاعتقاد الإيمان لابدّ من الجزم، لابدّ من الاعتقاد الجازم بحيث لا رَيْبَ فيه ولا شكّ ولا وَهْمَ، بخلاف كثير من الأمور التي نأخذها فقط بغَلَبَةِ الظنّ، نقول أنا في مكانٍ فَلاة ليس لي دلائل القبلة كي أصلّي ولكن ترجّحت لي أنه الأرجح أنّ القبلة من هذا الاتّجاه ولكن غلبت على ظنّي فأصلّي إلى الجهة التّى ترجّحت لي، دخلت إلى مكان آخر فغلبت عليَّ الظنّ أنه مكان طاهر غلبة الظن فأصلّي أينما كنت وعلى أيّ شيء، لأنّ المسلم هو دائما لا ينجُسُ، « المؤمن لا ينجُسُ » [1]، فإذا هو لا ينجس فلا تنجس عوارضه ولا تنجس متعلَّقاَته ولا تنجس محلاّته ولا تنجس أماكن عباداته، لذلك نأخذ على غلبة الظنّ فقط، أمّا في حالة الاعتقاد بوجود الله بوحدانية الله لابدّ لنا من الاعتقاد الجازم الموَصِّل إلى المعرفة بالله تبارك وتعالى ولا يمكن أن نقول نشكُّ أو نرتاب، ثمّ قال

الـسّـارد

فإن سأل عُلِّمَ من خلق الله في أرضه

الـبـيـان

فإن سأل عُلِّمَ من خلفاء الله في أرضه، توجد في نسخة “من خلفاء الله” وفي أخرى “من خلق الله”، نعم،

الـسّـارد

فإن سأل عُلِّمَ من خلفاء الله في أرضه فمن اعتمد على الله ولا يُريد إلاّ الله كمُلت معرفته

الـبـيـان

كمُلَتْ معرفته بالله، نعم

الـسّـارد

فمن اعتمد على نفسه شقِيَ بالبؤس

الـبـيـان

فمن اعتمد على نفسه (أو على نفسٍ) شقي بالبؤس لا تنفعه نفسه البائسة لا يدرك شيئا، نعم

الـسّـارد

وإن اعتمد على العمل اعتمد على زوال

الـبـيـان

اعتمد على العمل اعتمد على زوال، لأنّه المطلوب من النّاس أن يعملوا لكن لا يُطلب منهم أن يعتمدوا على العمل إنّما الاعتماد لا على عملنا ولكن على فضل الله، إذا قال الإنسان أنا أصوم كل يوم اثنين وخميس وأتصدّق بكذا وأقوم  اللّيل وكذا وأفعل وأفعل، وعَمَلَ الكثير واعتمد عليه كأنّه منجي له عند الله فإنّه لم يأخذ الطريق السّليم الموصل إلى الله، فإن اعتمد على العمل اعتمد على زوال لأنّه العمل لا يدوم، لا يدوم الإنسان فيمكن لإنسان أن يصلّي عشرة ركعات في الليل وغداً لا تقدر أن يصلّي حتّى ركعة واحدة لمرض أو علّة أو قهر أو أيّ شيء آخر، إذاً الإعتماد أوّلاً هو على الله ثمّ على العمل لا بدّ منه، لكن لا يجعل العمل هو الذي ينجيه ويقرّبه إلى الله من غير اعتماده على الله، لذلك ستأتي فقرة التي تُبيّن لنا هذا الأمر، نعم

الـسّـارد

وإن اعتمد على الحال والكرامة عُدِمَ التّوفيق وبركة الرّجال

الـبـيـان

عُدِمَ التّوفيق وبركة الرّجال، إذاً الذي يعتمد على حال نفسه، ويقول بقيت أذكُر حتّى تبيّن لي كذا، ومن الناس من يقول اذكر كذا حتّى ترى الانوار، ويسير في هذا الحال ويتبع هذا الحال ويترك العبادة، أو اعتمد على الكرامات، هذه الكرامات لا تَعني شيئا، فمن اعتمد على الكرامات فهو ضائع، لا تفيده عند الله تبارك وتعالى، لأنّ الكرامة أو غيرها هي نعمة مساقة من الله، وكلّ نعمة تحتاج إلى الحمد والشّكر وحمد آخر مركبٌ من الحمد الأوّل والحمد والشّكر الثاني، لا أنّي نعتمد على بعض الكرامات ونصير دائما نلوكها[2] في وسط النّاس ونردّدها ونظنّ في نفسي أني هذا علم مفاض عليّ وأنا بلغت مبلغ الرّجال، إنّما هذا وَهْمٌ خاطئ، لأنّ الكرامات هي دلائل حقيقةً وهي وهب من الله تبارك وتعالى لكن لا ينبغي للإنسان أن يتّخذها وسيلة لأن يقول في نفسه أنا وليٌّ أو أنا قطب أو أنا صرت كذا وكذا، إذاً لا مزيد لي بعد هذا الأمر لأنّ الكرامة الحقيقية عند الرّجال هي التّقوى ] إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [ [3]، ليُوفّق إلى تقوى الله تلك هي الكرامة العظيمة والكرامات الأخرى بمعنى خرق العوائد تلك موهبة من الله تبارك وتعالى فإذا الله تبارك تفضّل عليه بذلك الأمر فليعتبرها نعمة  ليسترها ويكتمها ويزيد من القرب ومن التّقرّب إلى الله على الاكثار من الحمد والشكر والإكثار من طاعة لله تبارك وتعالى، ولذلك قال الله تبارك وتعالى لرسوله صلّى الله عليه وسلّم ] فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ [4]، مع أنّه صلّى الله عليه وسلّم أعطاه الله ما لم يعطه لأحد، أعطاه المعجزات الظاهرة والآيات العظيمة وقال له ] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [ [5]، ] وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ [6]، ومع ذلك لابدّ أن يبقى عبداً لله، عبداً عبداً عبداً لا يغرّه ذلك الأمر ويرى ذلك فضلاً وإفضالا موجبه ومقتضاه هو الشّكر، موجب ذلك الأمر هو الشُّكر لا إظهار ذلك للنّاس والتّكسّب بها وجعلها ديدنه في كلّ مكان، لأنّ الكرامة كما تكون هبةً ربّانيةً وجذباً من العبد لربّه تكون استدراجاً أيضا، يُستدرَجَ بها العبدُ ] لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ [7]، ذلك هنا والدنا رحمه الله يتكتّم على هذا الأمر كثيرا مع أنّه كانت له كرامات وكذا يشهد بها الخاصّ والعام ولكن ذلك كلّه لم يباهي به ولم يباهي إلاّ بالعلم والمعرفة وما عَمِلَهُ خالصا لوجه الله من كلّ أمر أمر سواء عبادةً أو صدقةً أو عملاً أو ولداً صالحاً، كلّ ذلك هو الذي ينبغي على الانسان أن يقدّمه بين يديه لا أن يقدّم تلك الأمور الأخرى، نعم

الـسّـارد

وإن اعتمد على الحال والكرامة عُدِمَ التوفيق وبركة الرّجال

الـبـيـان

عُدِمَ التّوفيق وبركة الرّجال، يصير الانسان كالمخبول أينما كان يريد أن يظهر يذكر ذلك الشيء الذّي عنده للناس، وعوض أن يسمع الناس منه « أن اتقوا الله»، لا يسمعون منه إلاّ أنّني عندي كذا ورأيت كذا وفعلت كذا وجاءني كذا، حتّى يصير مخبولاً ويُصاب بالمسّ وبالشيطان ونعوذ بالله من هذا الامر، نعم ثمّ قال،

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّد الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيم وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيم

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ


[1]  عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِىُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ فَتَفَقَّدَهُ النَّبِىُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ « أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ » قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقِيتَنِى وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ ». البخاري ومسلم

[2]  لُكْتُ الشيء في فمي ألوكُهُ، إذا عَلَكته ومضغته

[3]  سورة الحجرات الآية 13

[4]  سورة الحجر الآية 98 و 99

[5]  سورة الفتح الآية 1 و 2

[6]  سورة القلم الآية 4

[7]  سورة الأنفال الآية 37

الدرس الخامس : علامة الشخص المعتمد على ربّه حقيقة هو أنّه لا ينقص رجاؤه بالزلل ولا يزيد بالحسنات لأنّه معوّل على فضل ربّه لا على عمله

http://zaouiatijania.ovh/tabsira/Tabssira5.mp3

السارد : الحاج عبد الله

البيان : سيّدي الحاج محمد الكبير أبو عقيل إبن مؤلف الشرب الصافي الحاج الأحسن البعقيلي رضي الله عنه

الـسّـارد

فعلامة الاعتماد على الله أنّه لا ينقُصُ رجاؤُه في الله بالزّلل ولا يزيد رجاؤه بالحسنات

الـبـيـان

هذه علاماته، ما علامة الشخص المُعتمِد على ربّه ؟ هو أنّه لا ينقص عمله بالزّلل، إذا زلّ يسير ويتوب إلى الله ولا يقول أنا زللت ولم يبقى عندي شيء أقدّمه، لا ينقص عمله بالزّلل فإذا زلّ تاب ] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ [1]، فيعتمد على الله في هذا الأمر ويكره ما فعله من زلل ومن معصية الله تبارك وتعالى، هذه علامته، علامة المتّقي، هذه علامة يعرف أنّ ذلك الزلل أنّه معصية لله وأنّه يرجع إلى الله ليعفُوَ عنه ويغفر له ويتوب إليه، هذه علامته، علامة الإعتماد على الله، ثمّ قال،

الـسّـارد

ولا يزيد رجاؤه بالحسنات

الـبـيـان

ولا يزيد رجاؤه بالحسنات، إذا كان يفعل الحسنات ويتقرّب إلى الله بسائر المَكرُمات وسائر الحسنات لا يزيد رجاؤه بأنّه كَمُلَ واكتمل أمرُهُ وصار ممّن شمِلهم العَفْوَ من الله تبارك وتعالى، وكلّما زاد في الحسنات زاد في عمله وزاد في رجاءٍ الآخر وهو أن يقبل الله منه تلك الحسنات، كما كان سيّدنا إبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما السّلام إنّما أُمروا ببناء الكعبة فكانوا يبنون الكعبة ويقيمونها ويرفعونها ويحملون الأحجار وينزلون في أماكن فإذا تعبوا توجّهوا إلى الله ] رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ [2]، ومع ذلك خائفين أن لا يكون ذلك العمل موائماً وملائما لما في علم الله، أي خَشيةً من المكر، لذلك يرجون ] رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [، إذاً كل ما زاد الإنسان في الحسنات زاد في عمله الصّالح وزاد في الاعتماد على الله تبارك وتعالى ويرجوه أن يقبل منه العمل ] رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ ] وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ [3]، إذاً علامة المعتمد على الله هو لا ينقص رجاؤه في الله بالزّلل ولا يزيد رجاؤه في الله بالحسنات، فإذا تصدّق الإنسان في يومٍ مثلا بصدقة لا يقول تكفني هذه اليوم، لا، بل يزيد من تلك الصّدقات ويزيد من تلك الصّدقات ويزيد حتّى تدفَعُ بعضها البعض وتَحمِلُ بعضها البعض وتَرفَع بعضها البعض، وكذالك كلُّ عملٍ من أعماله سواءٌ كان عِباَدِيٌّ محض أو كان فيه نفع لخلق الله تبارك وتعالى، إذاً لا بُدّ لنا من معرفة هذا الأمر، علامة الاعتماد على الله أن لا ينقص رجاؤه بالزّلل ولا يزيد رجاؤه بالحسنات، نتكلّمُ على هذا لأنّ دائما العبد ما بين جناحين، بين خوفٍ ورجاء، يخاف عقاب الله ويرجو رحمة الله، نعم

الـسّـارد

يستوي رجاؤه وخوفه في الأحوال كلّها

الـبـيـان

يستوي رجاؤه وخوفه في الأحوال كلّها، عند الزّلل خائف وعند الحسنات خائف وراجي، خائف وراجي عند الزلل وخائف وراجي عند الحسنات، خائف وراجي في الأحوال كلّها، نعم ثمّ قال

الـسّـارد

فإنّ الزَّالَ لا يَنْفُضُ يَدَيْهِ من مبايعة سيّده

الـبـيـان

دائما، حتّى وإن زلّ فإنه يخشى الله، يرجع من الله ] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [ [4]، « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ » [5]، نعم

الـسّـارد

فما خَلَقَناَ لئَلاَّ نَعْصِيَهُ وإنّما خَلَقَناَ لِنَرْجِعَ إليه وَنَعِرِفَهُ في الحاَلَيْن

الـبـيـان

لم يخلُقناَ الله تبارك وتعالى لئلاّ نعصيه، لا، ما خلقنا إلاّ ليأمُرنا وينهينا، ولو أنّه عَلِمَ منّا أنّا لا نعصيه ما خلقنا أوخلقنا كالملائكة ] لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ [6]، وتتعطّل أسماء الله كلّها، تتعطّل الأسماء الجمالية وتتعطّل الأسماء الجلاليّة، ولكن خلقنا بالاختيار، وبالاختيار منه واختار لنا أن نختار نحن، واختار لنا منه أن نختار، أن نختار ما يُملَى علينا من الكتب السّماوية ومن قرآننا على يد رسولنا صلّى الله عليه وسلّم ولذلك لابدّ من العاصى ولابدّ من الطّائع، والله تبارك وتعالى يحبُّ التّوابين لأنَّ التّوابين دائما معلّقين بالله ودائما في معرفتهم بربّهم لأنّهم يعرفون أنّ خطأهم هذا هو خطأ حقّ وأنّه ممّا لا يَرضى عليه الحقّ سبحانه وتعالى فيرجعون إليه ويتوبون ويستغفرون، نعم ثمّ قال،

الـسّـارد

فخوفه ناشئ عن شهود الجلال ورجاؤه ناشئ عن شهود الجمال

الـبـيـان

هذا شهود وهذا شهود، شهود الجلال القهر وشهود الجمال الرّحمة واللّطف واللّطائف والرّفق والتّوبة وقبول التّوبة والمغفرة والرّحمة، فشهوده للجلال عند خوفه وشهود للجمال عند رجاءه، نعم

الـسّـارد

فمقصود الله تعالى أن يكون العبد متقَلِّباً بين يدي جماله وجلاله شهودا

الـبـيـان

شهودا أي حضورا، نعم

الـسّـارد

فإن جَعَلَهُ في يدي جماله فقد طلب منه الحمدَ لله وإن وضعه في جلاله فقد طلب منه الاستغفارَ والإنابة

الـبـيـان

ولابدّ لنا من هذا الأمر، ولابُدّ لكلٍّ منّا من هذا الأمر، لا بُدّ لنا من هذا، من الجلال ولابدّ لنا من الجمال الله تبارك وتعالى خلقنا لنعرفه بأوصافه وأسماءه ومراتب أسماءه التى هي مخلوقاته، ولذا لابدّ لنا من هذا الأمر، نعم،

الـسّـارد

فوجه الله الذي يظهر منه الجلال والجمال هو أجزاء كونه

الـبـيـان

هو أجزاء كونه، عندما نقف لدى جبل شاهق تأخذنا الهيبة والرّهبة، وعندما نتأمّل في البحر وهديره ومدّه وجزره تأخذنا الرّهبة، هذا الجلال ؛ وعندما ندخل إلى حديقةً غنّاء نمرح فيها ونتنفّس فيها، هذا الجمال، هذه صفة الجمال، في جماله نحمده ونشكره وفي جلاله نسبّحه ونقدّسه، نعم

الـسّـارد

فلا يشاهد العبد إلاّ ربّه في الحالين فالعمل فعل الله من حيث هو فالجمال والجلال لا يتغيّران

الـبـيـان

نتوقّف عند هذا الحدّ اليوم،

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّد الفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ وَالخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ نَاصِرِ الحَقِّ بِالحَقِّ وَالهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ المُسْتَقِيم وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ العَظِيم

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ


[1]  سورة البقرة الآية 222

[2]  سورة البقرة الآية 127

[3]  سورة البقرة الآية 124

[4]  سورة البقرة الآية 222

[5]  أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (باب سقوط الذنوب بالاستغفار والتوبة) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والبخاري في تاريخه عن حذيفة

[6]  سورة التحريم الآية 6